الفرص والتحديات التي تواجه الإدماج المالي في تونس

مقال
تاريخ النشر: 
11/2015
المؤلف: 
أليس نيجر وندين شحاده
الناشر: 

استحوذت تونس على اهتمام عالمي في يناير/كانون الثاني 2011 مع اشتعال ثورات الربيع العربي. ومنذ ذلك الحين، حدثت تحولات مهمة تمثلت في وضع دستور جديد للبلاد، وانتخاب رئيس للجمهورية بطريقة ديمقراطية في أواخر 2014. ومع ذلك فالركود الاقتصادي المستمر وأزمة البطالة (التي بلغت 33 في المائة بين الشباب)، ومشكلات الأمن الداخلي، كل هذا يمثل تهديدًا للتقدم السياسي الذي تحقق بشق الأنفس.

ويأتي الإدماج المالي ضمن العديد من المجالات الذي استحوذ على اهتمام السلطات العامة في البلاد. وقد تم تمرير مرسوم بقانون في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 يجيز إنشاء مؤسسات ائتمانية لخدمة الشرائح منخفضة الدخل. كما عمل هذا القانون على إنشاء هيئة تنظيمية حديثة وهي  هيئة رقابة التمويل الصغير. وساعد ذلك على تمهيد الطريق لتطوير قطاع التمويل الصغير على نحو سليم وصحيح بما يؤدي إلى إحداث تحولات لدى الأطراف والمؤسسات الفاعلة على أعلى المستويات في هذا المجال، وإيجاد أطراف ومؤسسات جديدة في السنة الماضية.

وبخلاف الإقراض الأصغر، تهدف وزارة المالية حاليًا إلى تحديث القطاع المالي بأكمله في تونس بحلول 2020. وهذه الخطة لها إطار زمني، وتفتح نافذة أمل لمزيد من تعميق وتأصيل الخدمات المالية. وفي هذا الصدد، أعدت المجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء (سيجاب) والبنك الدولي دراسة موجزة حول وضع الإدماج المالي في تونس تتيح رؤى ثاقبة في هذا الشأن.

سيدة تطحن الدقيق، تونس. تصوير آلان باشولييه 2005.

وتشير تقديرات الاستراتيجية الوطنية للتمويل الصغير لتونس في 2011 إلى أن حوالي 30- 40 في المائة من السكان البالغين (2.5 - 3.5 مليون نسمة)، وأكثر من نصف المؤسسات والمنشآت في تونس (245 - 425 ألف شركة مسجلة) لا تزال محرومة من خدمات القطاع المالي الرسمي أو لا تحصل على ما ينبغي الحصول عليه من هذه الخدمات، وذلك على الرغم من وجود 12 مليون حساب مسجل في البنوك ومكاتب البريد. وهذه الأرقام تقريبية نظرًا لأنها مستنتجة من مصادر ثانوية غير دقيقة أو غير حديثة.  وأيًا ما كان الأمر، فبالنسبة للأفراد، تم تعزيز ما جاء بشأنهم من خلال دراستين عن أحوال السوق: دراسة في 2015 أجراها البنك الدولي وخلصت إلى أن ثلثي البالغين إما مستبعدين من خدمات القطاع المالي الرسمي أو لا يحصلون على قدر كاف من هذه الخدمات؛ ودراسة قاعدة بيانات المؤشر العالمي لتعميم الخدمات المالية في 2014  والتي خلصت إلى أن عدد من لهم حساب في مؤسسة مالية رسمية لا يتجاوز 27 في المائة. وفضلا عن ذلك، تبين البحوث العالمية والمحلية أن هؤلاء الناس يمارسون أنشطة مالية إلا أنهم يضطرون إلى اللجوء إلى خدمات مالية غير رسمية قد تنطوي على مخاطر وتكاليف باهظة.

تقوم مكاتب البريد في تونس بتقديم بعض خدمات الادخار والمدفوعات لهؤلاء الناس ويرجع الفضل في ذلك إلى وجود شبكة واسعة من هذه المكاتب منتشرة في جميع أنحاء البلاد (1051 فرعًا في 2014)، بالإضافة إلى خدمات التحويل الإلكترونية وباستخدام الهواتف المحمولة. ومع ذلك، فمع وجود عدد ماكينات صراف آلي لا يتجاوز 178، و25 في المائة من الفروع غير متصلة بخادم (سرفر) مركزي، وتقييد ساعات العمل نسبيًا، وعدم صرف سوى الحد الأدنى من المبالغ المالية، فإن ذلك لا يساعد على تقديم حلول لمشكلات المدخرات الصغرى (خدمات السحب والإيداع المعتادة لمبالغ صغيرة للغاية) أو وسائل الدفع. وأكثر من 50 في المائة من الحسابات البريدية البالغ عددها 5.5 مليون راكدة ولا توجد حركة عليها منذ سنتين.

ولا تتوفر للشركات خدمات مالية معدلة تفي باحتياجاتها، لا سيما المؤسسات الصغيرة للغاية والصغيرة والمتوسطة والتي تمثل مخاطر على الرغم من حتمية وجودها لأهميتها في الاقتصاد التونسي. ولا تقرض البنوك إلا أصحاب الرواتب والشركات المتوسطة والكبيرة (338 ألف شركة حصلت على خدمات تمويل في 2013، مع تخصيص 50 في المائة من حافظة تبلغ قيمتها 41 مليون دينار تونسي للمجموعات الكبيرة). وقد وجد مسح أجرته مؤسسة التمويل الدولية في 2014 أن من يعملون في 29 في المائة من الشركات الصغيرة للغاية والصغيرة والمتوسطة التي خضعت للدراسة لم يحاولوا على الإطلاق فتح حساب بنكي؛ وأشار 37 في المائة إلى احتياجهم إلى التمويل إلا أنهم لم يتصلوا على الإطلاق بأي مؤسسة مالية؛ واستخدم 78 في المائة النقد للدفع لمورديهم، ولجأ 91 في المائة إلى دفع أجور موظفيهم نقدا. وقد يأتي حل مشكلة تمويل المعدات التي تحتاجها هذه الشركات من شركات الإيجار التمويلي البالغ عددها 9 والتي تعمل بصورة نشطة على نحو متزايد، لا سيما في سوق الشركات الصغيرة والمتوسطة. وقد شهدت خدمات التمويل الرقمي الذي تقوده البنوك بعض التقدم في السنوات الأخيرة الماضية مع وجود 4 خدمات في السوق. إلا أن هذه المنتجات تقدم خدمات محدودة، وتفتقر إلى التشغيل البيني، كما أنها لم تلق سوى إقبال محدود. ويُشار هنا إلى أن أقل 4 في المائة من التونسيين يستخدمون الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول. ولا تزال شركات التأمين تمثل جزءً بسيطًا من القطاع المالي في تونس حيث تمثل أقساط التأمين أقل من 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.

وبالتطلع إلى المستقبل، فإن فرص الإدماج المالي في تونس تبدو كبيرة. ومع هذا، لا تزال هناك حاجة للتغلب على عدد من التحديات الهيكلية قصيرة الأجل. وسيتطلب التوسع إلى ما وراء الائتمان الأصغر لزيادة المدخرات، والتأمين الأصغر، وخدمات الدفع ما يلي:

  • تعيين من يقوم بدور الريادة لمناصرة وكسب التأييد من أجل تعزيز الإدماج المالي
  • تنسيق إستراتيجية وطنية للإدماج المالي
  • إجراء دراسة دقيقة للسوق للحصول على بيانات عن خصائص حديثة وممثلة للسوق على المستوى الوطني
  • توضيح دور مختلف الجهات الفاعلة من القطاعين العام والخاص في السوق (على سبيل المثال: البريد التونسي، والبنوك، ومؤسسات التمويل الصغير، ومشغلو شبكات الهاتف الجوال، وغيرها)
  • التغلب على صعوبات إعادة التمويل في سياق ندرة السيولة
  • وأخيرا، وضع إطار عمل قوي لحماية المستهلك من أجل إدارة النمو في القطاع ومعالجة التحديات المستمرة

وبشكل عام، يمكن للإدماج المالي أن يصبح آلية مهمة للتشجيع على النمو الاقتصادي ورسم مستقبل أفضل لذوي الدخول المنخفضة في تونس. وحتى يتسنى إحراز تقدم في هذا المضمار، على الجهات الفاعلة من القطاعين العام والخاص إحداث تغيير من خلال عمل منسق. وفي ضوء الإصلاحات الأخيرة لصناعة التمويل الصغير، وانتشار الخدمات المالية من خلال مكاتب البريد في تونس، والنقاشات التي أجريت مؤخرا لتوسيع نطاق خدمات التمويل الرقمي، ثمة فرصة أمام تونس لكي تكون مثالا يحتذى به من قبل البلدان الأخرى في المنطقة، بحيث تمنح الأمل المنشود للتمويل الأصغر في تونس وغيرها.

للمزيد من المعلومات حول الإدماج المالي في تونس، الرجاء الإطلاع على الصفحة الخاصة بتونس على البوابة.

المقال الرئيسي بالإنجليزية على مدونة سيجاب.

النوع: 
مقال
الموضوع: 
الشمول المالي
البلد: 
تونس