مدونة البوابة

مستثمرو التكنولوجيا الزراعية في الشرق الأوسط يزرعون بذور الأمن الغذائي العالمي

يُعد الأمن الغذائي أحد أعظم التحديات التي تواجه المنطقة. واستجابةً لذلك، يشهد الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية ازدهارًا متسارعًا، يجذب رأس المال المحلي والأجنبي ورواد الأعمال، ويساهم في تنويع الاقتصاد. كما يمكن أن يساعد في تطوير حلول حيوية للنظام الغذائي العالمي الذي يواجه تهديدات متزايدة جراء تغير المناخ.

الشرق الأوسط غني بالموارد المعدنية الثمينة، لكنه يعاني من شح الأراضي الخصبة والمياه العذبة. إذ تُقدر نسبة الأراضي الصالحة للزراعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بـ 4.7٪ فقط، مقارنةً بـ 10.7٪ عالميًا. وتقع السعودية (1.6٪) والإمارات (0.7٪) وعُمان (0.3٪) دون متوسط المنطقة بكثير، كما أن المنطقة ككل تُعد الأكثر ندرةً للمياه على وجه الأرض.

وعلى الرغم من أن الإمارات والسعودية تُعتبران آمنتين نسبيًا من حيث الغذاء، نظرًا لثرائهما واتفاقياتهما الاستراتيجية لاستيراد الأغذية، إلا أن هذا الوضع قد يتغير مع استمرار نمو عدد سكان العالم، الذي تجاوز ثمانية مليارات نسمة في عام 2022، ويُقدّر أن يصل إلى 9.7 مليارات بحلول عام 2050. وهذا يعني وجود عدد كبير من الأفواه الإضافية التي يجب إطعامها في ظل تأثيرات تغير المناخ على الأمن الغذائي من خلال زيادة تواتر الأحداث الجوية المتطرفة، وتفاقم ندرة المياه، وتحويل مساحات واسعة من الأراضي الخصبة إلى صحراء.

إلى جانب ذلك، هناك مخاوف من صنع الإنسان تشمل التضخم الذي يزيد من تكلفة المدخلات الزراعية، والتداعيات الناتجة عن الاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية.

وبما أن دول الخليج تعتمد على الاستيراد لتغطية نحو 85٪ من استهلاكها الغذائي، فإنها تصبح عرضة بشكل كبير لأي صدمات محتملة في سلسلة الإمداد. ومع ذلك، فإن الأزمة الغذائية المحتملة تمثل أيضًا فرصة لتطوير حلول لا تُطبق محليًا فحسب، بل يمكن تصديرها إلى الخارج.

وقالت إيكاترينا تشيرنوفا، الشريكة الإدارية ومؤسسة مكتب الاستشارات العائلية "أوكتاجون": «دول الخليج تستثمر بشكل كبير في الغذاء، حيث تطوّر تربية الأحياء المائية والزراعة العمودية وجميع أنواع البروتين الصناعي».

وأضافت: «بالإضافة إلى صناديق الثروة السيادية، فإن أكبر شركات الأسهم الخاصة والمكاتب العائلية والتكتلات الاقتصادية تركز كثيرًا على الأمن الغذائي ولديها أقسام مخصصة لذلك».

وعلاوة على ذلك، تقدم حكومات المنطقة حوافز سخية وتخفف اللوائح لجذب الشركات الناشئة التي تطور مجموعة واسعة من التقنيات، بما في ذلك التكنولوجيا الزراعية.


التكنولوجيا لإحياء الصحارى

هذا الاهتمام يغذي إنشاء شركات ناشئة مثل "مزارع البحر الأحمر" في السعودية، التي تطور وتوسع طرق زراعة المحاصيل بشكل مستدام في الصحراء باستخدام البيوت الزجاجية المناخية، والتي تقلل بشكل كبير من استهلاك المياه. تشمل الحلول ألواحًا شمسية داخل زجاج يمنع الحرارة، تبريد بالمياه المالحة، أنظمة مراقبة ذكية، ومحاصيل مُهندَسة لتحمل البيئات القاسية.

على المستوى العالمي، يُستخدم حوالي 70٪ من موارد المياه العذبة في الزراعة. ورغم أن جميع القطاعات أصبحت أكثر كفاءة في استخدام المياه، إلا أن الزراعة بحاجة لأن تصبح أكثر كفاءة بكثير لمواكبة الطلب المتزايد على الغذاء الناتج عن النمو الاقتصادي والسكاني.

الشكل 1: الزراعة هي القطاع الأكثر استهلاكًا للمياه بفارق كبير

A screenshot of a graph

AI-generated content may be incorrect.

المصدر: البنك الدولي، أطلس أهداف التنمية المستدامة 2023

يمكن للتقنيات المتطورة التي يجري تطويرها حاليًا في الشرق الأوسط لجعل الزراعة أقل استهلاكًا للمياه أن تلعب دورًا مهمًا في حل هذه المشكلة. ورغم أنها ليست منافسة من حيث التكلفة حاليًا، إلا أن التجربة السابقة لتقنيات المناخ الأخرى تشير إلى احتمال تغير ذلك بسرعة مع نضوج هذه التقنيات وتحقيق وفورات الحجم.

طريقة أخرى لتقليل استهلاك المياه في الزراعة هي الزراعة العمودية المائية، التي تتم عادةً في بيئات داخلية خالية من التربة ومضبوطة المناخ. وبالإضافة إلى استهلاكها جزءًا ضئيلاً فقط من المياه مقارنة بالزراعة التقليدية، فهي تستخدم أيضًا مساحة أقل من الأرض.

وتسعى شركة "بيور هارفست سمارت فارم" في الإمارات، واحدة من أكبر شركات الزراعة العمودية في المنطقة، للتوسع إلى سنغافورة والمغرب والكويت، وفصل عمليتها في السعودية لتصبح كيانًا مستقلاً.

وفي الوقت نفسه، تجذب السعودية شركات الزراعة العمودية الرائدة لنقل عملياتها إلى المملكة، مثل "ناتوفيا لابز" من إستونيا.

كما وقّع صندوق الثروة السيادية السعودي "صندوق الاستثمار العام" شراكة مع شركة أمريكية لتكنولوجيا الزراعة لبناء وتشغيل مزارع عمودية داخلية في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

يمكن أن يقلل التحول الناشئ نحو البروتين النباتي بشكل كبير من كثافة استهلاك المياه في إنتاج الغذاء. فقد أطلق أبوظبي مؤخرًا تجمع "نماء الأغذية والمياه الوفيرة" (AGWA)، بالتعاون مع عدة شركات ناشئة تعمل على البروتين البديل، بما في ذلك الشركة السويسرية "نيوس". وتقوم السعودية أيضًا باستثمارات كبيرة في شركات البروتين البديل.


الإنجاز بالكفاءة

تتعامل الدول الأقل رخاءً في المنطقة مع المسألة بطرق مختلفة، وفقًا لأشرف الخطيب، نائب رئيس جمعية المحللين الماليين المعتمدين في مصر. ففي مصر، حيث تتفاقم أزمة ندرة المياه، يتركز الاهتمام على تحسين تقنيات الري للقمح والأرز، بالإضافة إلى تطوير أصناف محاصيل أكثر مقاومة.

وقال الخطيب: «علينا أن نكون مبدعين ومبتكرين في استخدام الزراعة الموفرة للمياه. على سبيل المثال، كانت مصر تعتمد على قصب السكر لإنتاج السكر، لكنها انتقلت إلى زراعة بنجر السكر لتوفير المياه».

وأضاف أن التقنيات التي تجعل المزارع أكثر إنتاجية وكفاءة ضرورية أيضًا لزيادة الغلة وتقليل استهلاك المياه، مثل الزراعة الدقيقة التي تستخدم المستشعرات وبيانات الأقمار الصناعية والأتمتة والتحليلات المتقدمة لإدارة الأسمدة والري بكفاءة.

ورغم إمكانات هذه التقنيات في خفض التكاليف وزيادة الإيرادات على المدى الطويل، إلا أنها تتطلب تكاليف أولية مرتفعة، ما يجعلها خارج متناول العديد من المزارعين الصغار، حيث أن 80٪ من المزارع في المنطقة تقل مساحتها عن خمسة هكتارات.

وهنا تأتي أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص، التي يمكن أن توفر حلولًا مالية لبناء وتنفيذ مشاريع تخدم مصالح الدول. وقد نشأت عدة شركات ناشئة أيضًا بهدف تسهيل وصول المزارعين الصغار إلى التمويل لتبني تقنيات زيادة الإنتاجية، مثل شركة "مزارع" في مصر.


القرارات الصعبة

في الدول ذات الدخل المتوسط المنخفض مثل مصر، يجب الموازنة بين تحقيق الأمن الغذائي وتوليد الإيرادات من التصدير. وأوضح الخطيب أن الأمر قد يكون صعبًا عند اتخاذ القرار «ما إذا كنا نزرع المزيد من القمح لأسباب تتعلق بالأمن الغذائي، أم نخصص المزيد من الموارد للمحاصيل عالية القيمة مثل الفواكه لتصديرها». وأضاف أن الظروف المختلفة لدول المنطقة تؤثر أيضًا على كيفية تحقيق التوازن بين توفير الغذاء بأسعار معقولة وتكاليف الابتكار وتطوير الحلول المستدامة.

وأشار تامر عازر، شريك في شركة "شروق" للاستثمار، إلى أن عائقًا آخر أمام توسيع الشركات الناشئة في المنطقة هو «الحاجة إلى جمع مصادر رأس المال المتفرقة حاليًا».

ووفقًا لعازر، هناك فرق كبير مع الولايات المتحدة، حيث تتمتع الصناديق بقاعدة واسعة ومتنوعة من الشركاء المحدودين، بينما في منطقتنا خيارات رأس المال المخاطر محدودة، عادةً ما تقتصر على صناديق الثروة السيادية لدول مجلس التعاون وصناديق التمويل التنموي.

وأوضح أن هذه الصناديق قد تمتلك أهدافًا مختلفة ومتطلبات متباينة فيما يخص وجهة الاستثمارات داخل المنطقة. وأكد أن الحل يكمن في تبني إطار عمل يسمح بمشاركة هذه الموارد المالية في صناديق إقليمية، بحيث لا يهم مصدر الأموال طالما تم تحقيق أهداف كل شريك محدود.

ويمكن أن يكون هذا النهج وسيلة فعّالة لإطلاق الاستثمارات العابرة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء، حيث تتمتع القارة بأراضٍ صالحة للزراعة بشكل وفير، لكنها تفتقر إلى الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية، مما يجعلها paradoxically تعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء. حاليًا، يذهب جزء صغير جدًا من استثمارات التكنولوجيا الزراعية عالميًا إلى أفريقيا. وإذا تمكن مستثمرو الشرق الأوسط من زيادة هذه الاستثمارات، فسيعزز ذلك الأمن الغذائي ليس فقط لديهم، بل لمئات الملايين من الأفارقة أيضًا.

الشكل 2: الاستثمار العالمي في التكنولوجيا الزراعية

 

 

A close-up of a graph

AI-generated content may be incorrect.

المصدر: أخبار "آج فاندر" (AgFunderNews)


الدائرة الكاملة

بعيدًا عن أفريقيا، الزراعة في كل مكان بحاجة ماسة إلى ثورة في الكفاءة. وقد يكون الشرق الأوسط على أتم الاستعداد لقيادة هذا التحول.

فالثورة الزراعية الأولى حدثت في الشرق الأوسط قبل أكثر من عشرة آلاف عام، عندما استقر الصيادون وجامعو الثمار لزراعة المحاصيل، مثبتين جذورهم حرفيًا ومجازيًا. وكانت نقطة تحول في تطور البشرية، مما سمح بنمو سكاني هائل وتطور حضارات معقدة.

واليوم، مع تأثيرات تغير المناخ، تهدد زيادة السكان نظم إنتاج الغذاء العالمي، ما يستدعي ثورة جديدة في التغذية المستدامة. وسيكون من المناسب أن تزهر بذور هذه الثورة في الشرق الأوسط.

 

--

مدونة من موقع المعهد المعتمد للمحللين الماليين (المعروف اختصارًا بـ CFA Institute) قامت بترجمتها ونشرها بوابة الشمول المالي من أجل التنمية. رابط المقال الأصلي: https://tinyurl.com/4nt6j9ny

اترك تعليق

يقوم فريق تحرير البوابة بمراجعة وإدارة نشر التعليقات. نرحب بالتعليقات التي تقدم ملاحظات وأفكار ذات صلة بالمحتوى المنشور. تعلم المزيد.