الابتكار يتطلب مهارات جديدة – فهل تقوم الجهات التنظيمية بالتوظيف وفقاً لذلك؟
إن موظفي الهيئات التنظيمية للقطاع المالي في المستقبل سيكونون مهندسي ذكاء اصطناعي، أو علماء بيانات، أو خبراء في تقنية سلسلة الكتل، أو غيرهم من المتخصصين الذين لم نكن نراهم سابقاً في أروقة البنوك المركزية والهيئات المالية. هذا ما خلصت إليه مراجعة أدبية أجرتها المجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء (سيغاب) مؤخراً في إطار مشروع لتحليل مستقبل تنظيم القطاع المالي.
ذلك أن الأسواق المالية تغيّرت بشكل جذري بسبب التكنولوجيا والابتكار. فمن الحوسبة السحابية إلى سلسلة الكتل إلى الذكاء الاصطناعي، غيّرت التكنولوجيا الخدمات المالية إلى حد يصعب معه التعرف عليها. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات التنظيمية لمواكبة هذا التطور، إلا أن خلفياتهم التقليدية في الاقتصاد والقانون، واعتمادهم على الإجراءات الورقية والتفتيش الميداني، قد تجعلهم متأخرين عن الركب.
وإذا كان هذا هو الحال، وكان ثمة حاجة فعلية لدى السلطات التنظيمية لتحديث مهاراتها (وهو افتراض كبير)، فهل تقوم فعلاً بتوظيف كوادر جديدة تمتلك المهارات المناسبة لبيئة التمويل الحديثة؟ للإجابة عن هذا السؤال، عملنا مع شركة "تشيمورا إيكونوميكس آند أناليتيكس" لمراجعة إعلانات التوظيف الحديثة الصادرة عن الجهات التنظيمية في خمسة أسواق تُعد رائدة في مجال الابتكار: أستراليا، وماليزيا، وسنغافورة، وجنوب أفريقيا، والمملكة المتحدة. وبعد تحليل بيانات تمتد على نحو خمس سنوات في هذه الدول، ظهرت صورة متسقة تشير إلى مجالين رئيسيين أدركت فيهما الجهات التنظيمية الحاجة إلى مهارات جديدة، وسعت فعلاً إلى توظيف أشخاص يمتلكون تلك المهارات.
أولاً: ملاحظة حول منهجية البحث
قبل الخوض في تفاصيل تلك المجالات، من المهم أن نتطرق إلى الفرضية الأساسية ومنهج التحليل. فقد سعت دراستنا لفهم كيف تعيد الجهات التنظيمية تشكيل نفسها لتتعامل بشكل أفضل مع الابتكار. ولهذا الغرض، قمنا بمراجعة مئات الوثائق التي تحلل كيفية تغيّر الأسواق المالية وما قد تبدو عليه في المستقبل، مع التركيز على المهارات التي ستُصبح ضرورية لكل من مقدمي الخدمات والمنظمين ليظلوا ذوي صلة. وقد شمل التحليل الوثائق السياساتية والأوراق البحثية والمقالات والمدونات الإخبارية. وأدى هذا العمل إلى تأسيس فرضيتنا التي تقول إن الهيئات التنظيمية الرائدة في مجال الابتكار (مثل هيئة السلوك المالي في المملكة المتحدة أو السلطة النقدية في سنغافورة) من المرجح أن توظف أشخاصاً يمتلكون مهارات ترتبط بالكلمات المفتاحية الموضحة في الشكل أدناه.
واعتمدنا فقط على إعلانات الوظائف المنشورة عبر الإنترنت بين أغسطس 2021 ومايو 2025، والتي تضمنت أياً من الكلمات المفتاحية المذكورة. ومن المهم الإشارة إلى أن لهذا النهج عدة قيود:
أولاً، لم نكن نعلم ما إذا كانت الوظائف قد شُغلت فعلاً أم لا.
ثانياً، لم نتمكن من معرفة ما إذا كانت بعض الإعلانات قد أُعيد نشرها أكثر من مرة.
ثالثاً، لا نعرف ما إذا كان بعض التوظيف قد نتج عن أحداث أخرى غير الحاجة الاستراتيجية لإعادة تأهيل المهارات، مثل دورة توظيف طبيعية، أو صدمة خارجية (كالهجمات الإلكترونية)، أو دورة ميزانية، أو تأثير سياسي.
والأهم من ذلك أننا قمنا بحساب جميع الإعلانات التي تضمنت الكلمة المفتاحية حتى لو وردت في سياق غير متعلق بالوظيفة نفسها – فمثلاً، إذا ذكرت الجهة في الإعلان عبارة "جهة تنظيمية رائدة في مجال العملات المشفرة تبحث عن موظفي صيانة"، فسنقوم باحتسابها، مع مراعاة ذلك عند تضييق نطاق الكلمات المفتاحية لاحقاً.
وعلى الرغم من هذه القيود، قررنا المضي قدماً في التحليل لأنه ما يزال يقدم منظوراً كمياً لممارسات التوظيف على أرض الواقع – وهو نوع التحليل الذي تحتاجه الجهات التنظيمية بشدة ولم يكن متوافراً (بحسب علمنا).
فما الذي وجدناه؟
عبر الدول الخمس والهيئات والفترة الزمنية المشمولة بالدراسة، وجدنا أن الجهات التنظيمية سعت باستمرار إلى التوظيف في مجالي البيانات والأمن السيبراني.
وفيما يتعلق بالبيانات، قسمنا المجال إلى أربع فئات: تحليل البيانات، والنمذجة، والعلوم، وتخزين البيانات. وقد تصدرت فئتا تخزين البيانات وتحليل البيانات الاهتمام بشكل واضح مقارنة بالنمذجة وعلوم البيانات. وتشير هذه النتائج، رغم أنها متوقعة، إلى أن الجهات التنظيمية تدرك الحاجة إلى تعزيز مرونتها السيبرانية وتعمل بنشاط على تحسين جاهزيتها في هذا المجال. كما تؤكد النتائج أن الجهات التنظيمية تعي أهمية البيانات في عملها – سواء في التنظيم القائم على الأدلة، أو الإشراف القائم على المخاطر المعتمدة على البيانات، أو غير ذلك.
وتشير النتائج أيضاً إلى أن تحليلات البيانات الجيدة تتطلب بنية تحتية قوية للبيانات، مع بيانات نظيفة ومنظمة وموزعة على مخازن بيانات متصلة عبر أنظمة موثوقة. كما أظهرت النتائج أن تخزين البيانات والتحليلات من الوظائف الأساسية التي يُفضل الاحتفاظ بها داخل المؤسسة بدلاً من التعاقد الخارجي.
هل كنا نتوقع أن نرى مزيداً من المتخصصين في سلسلة الكتل، وخبراء الذكاء الاصطناعي، ومديري "البيئات التجريبية التنظيمية"؟ ربما، لكننا ندرك أن موضوعات مثل العملات المشفرة أو البيئات التجريبية التنظيمية، رغم ما تشغله من حيز في النقاش العام، ما تزال تمثل جزءاً صغيراً من الأعمال اليومية للجهات التنظيمية. ولهذا، فقد ظهرت هذه المهارات المتخصصة في نتائجنا ولكن بأعداد محدودة. فعلى سبيل المثال، شكلت الوظائف المرتبطة بالعملات المشفرة نسبة 8.64% فقط من إجمالي الوظائف التي نشرتها السلطة النقدية في سنغافورة، وكانت هذه أعلى نسبة بين الدول الخمس.
تتسق نتائج تحليلنا لإعلانات الوظائف مع آراء الأطراف التي أجرينا معها مئات المقابلات. فعلى الرغم من أن مراجعة الأدبيات قد توحي بأن هناك إجماعاً على ضرورة تغيير المهارات، إلا أن من قابلناهم قدموا رسالة أكثر دقة وتوازناً. فقد أقروا بأهمية المهارات المتعلقة بالبيانات، لكنهم أكدوا أيضاً أن المهارات الأساسية لا تزال ذات صلة. فالكثيرون يرون أن المخاطر في النظام المالي – مثل مخاطر الاستقرار والنزاهة والسلوك – ما زالت هي ذاتها في جوهرها، وما تزال الجهات التنظيمية بحاجة إلى خبراء يفهمون هذه المخاطر التقليدية جيداً. كل ما في الأمر أنهم بحاجة إلى أن يكونوا أكثر مرونة وسرعة في التعلم وتبني التقنيات الجديدة، نظراً لسرعة تغير العالم من حولهم.
تم ترجمة هذا المقال من نسخته الأصلية باللغة الإنكليزية والمتاحة عبر الرابط.