مواءمة الممارسات المؤسسية مع الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي في العراق
زياد الرفاعي كبير أخصائيي استراتيجيات الشمول المالي وتصميم أنظمة المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتحول المؤسسي
إنّ التحدي الأكبر في أي استراتيجية وطنية ليس في صياغتها بل في ترجمتها إلى ممارسة مؤسسية فعلية وقابلة للقياس، رأيت هذا التحدي يتكرر في دول متعددة لكن خصوصيته في العراق ترتبط بسرعة التحول الرقمي من جهة وبطء التغيير التشغيلي داخل أغلب المؤسسات من جهة أخرى.
يمتلك العراق اليوم واحدة من أكثر استراتيجيات الشمول المالي وضوحًا في المنطقة، برؤية طموحة تهدف إلى رفع معدلات الوصول للخدمات المالية الرسمية الى 50% بنهاية 2029، تعزيز الرقمنة، وتقوية حماية المستهلك المالي.
لكن التجربة تُظهر أن التحدّي الحقيقي لا يكمن في صياغة الاستراتيجيات، بل في تنفيذها داخل المؤسسات المالية نفسها، من خلال تجربتي الاخيرة مع القطاع المالي العراقي، أصبح واضحًا أن الفجوة ليست بين “السياسات و التعليمات” و“الواقع” فقط، بل بين الإطار الوطني و الجاهزية المؤسسية للتطبيق.
رؤية وطنية طموحة يقودها البنك المركزي… وتنفيذ يحتاج الى استعدادٍ و تأسيسٍ داخليان في المؤسسات المالية
البنك المركزي العراقي يقوم اليوم بدور تنظيمي وإشرافي وتوعوي محوري؛ يُصدر التعليمات ويوحّد المعايير، يراقب الامتثال والتقدم، يدعم بناء القدرات، ويقود حملات التثقيف المالي، ويعمل مع الشركاء المحليين والدوليين لتسريع التحول.
في السنوات الأخيرة، أدّى هذا الدور إلى نتائج ملموسة و نتائج حقيقية، أبرزها: ارتفاع عدد المحافظ الإلكترونية إلى أكثر من 12 مليون محفظة، وتوسّع ملحوظ في نقاط الدفع والقبول الإلكتروني، ووضوح أكبر في متطلبات حماية المستهلك المالي.
ومع ذلك، يبقى التنفيذ الحقيقي داخل المؤسسات هو العامل الأكثر حسمًا. أغلب المؤسسات ما تزال تتعامل مع الشمول المالي كـبرنامج جانبي، وليس كجزء من أعمالها الأساسية وهنا تبدأ الفجوة بين الرؤية الوطنية وبين الواقع التشغيلي.
المصدر: مجموعة البنك الدولي
بنية رقمية تتحسن… لكن السلوك المؤسسي يحتاج تحديثًا فعليًا
شهد العراق قفزة واضحة في المحافظ الإلكترونية، الدفع الإلكتروني، والتحول الرقمي لكن في أغلب المؤسسات، تستمر أنماط العمل التقليدية، مما يؤدي إلى فجوة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة. ويمكن رؤية هذا التناقض بوضوح: رغم وجود أكثر من 12 مليون محفظة إلكترونية، إلا أن أقل من 40% منها نشط فعليًا، مما يعكس أن التحول الرقمي لا يصبح مؤثرًا إلا عندما تتغير العمليات المؤسسية وسلوك الفروع.
يظهر ذلك في ثلاث نقاط جوهرية:
غياب تحليل فجوات داخلي (Gap Assessment) يقيس أين تقف المؤسسة مقارنة بمستهدفات الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي.
ضعف ربط الشمول المالي بالمؤشرات التشغيلية— مؤشرات القياس المؤسسية تُركز على النشاط التجاري لا على الشمول.
المنتجات المالية تُبنى من داخل المكاتب وليس من احتياجات السوق: النساء (مع فجوة تصل إلى 10–15 نقطة مئوية مقارنة بالرجال)، الشباب، الاقتصاد غير الرسمي، والعاملين لحسابهم.
بهذه الطريقة، حتى المؤسسة المتحركة “تتحرك”… لكن ليس بالضرورة في اتجاه الاستراتيجية الوطنية.
فجوة التنفيذ داخل المؤسسات: النقطة التي تحدد نجاح الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي
أغلب المؤسسات تواجه فجوة داخلية بين الوحدة المعنية بالشمول المالي التي تملك المعرفة، والإدارة العليا التي تملك القرار، والفروع والموظفين الذين ينفذون فعليًا. من دون ربط هذه الحلقات الثلاث، سيظل الشمول المالي مجرّد نشاط توعوي وليس وظيفة تشغيلية مؤثرة.
خلال تدريبي ومشاهداتي ظهرت مجموعة أنماط مشتركة داخل أغلب المؤسسات:
- الشمول المالي يُنظر إليه كمبادرة وليس كجزء من استراتيجية العمل.
- لا توجد استراتيجية مؤسسية حقيقية ( بالرغم من قيام بعض المؤسسات المالية بتطوير استراتيجياتها الا انها في اغلب الأحيان تفتقر الى الخطوات التنفيذية الضرورية للوصل الى الأهداف في الاستراتيجية الوطنية
- فجوة بين وحدات الائتمان، المخاطر، الابتكار، التسويق، وحماية المستهلك.
- ضعف في تصميم منتجات للفئات غير المخدومة فعليًا.
- اعتماد كبير على التعامل النقدي رغم توفر البنية الرقمية—مع بقاء أكثر من 85% من المعاملات اليومية نقدًا.
- والأهم: أكثر من 70% من المشاركين في التدريب الأخير أكدوا غياب مؤشرات قياس واضحة لقياس أثر الشمول المالي داخل مؤسساتهم.
هذه نقاط ضعف طبيعية لقطاع في مرحلة تحول لكنها نقاط قابلة للإصلاح إذا توفرت الرؤية المؤسسية.
الحل: استراتيجية مؤسسية للشمول المالي… تربط الرؤية بالتنفيذ
لكي تستفيد المؤسسات من الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي تحتاج إلى منهجية عملية وليس مجرد وعي بالموضوع.
المدخل الحقيقي هو استراتيجية مؤسسية واضحةتشمل تشخيص فجوات تشغيلية رقمية ومنتجاتية—وليس تقديرات عامة. على الإستراتيجية أن تُحدّد أيضاً شرائح العملاء ذات الأولوية بناءً على بيانات حقيقية و دراسات للأسواق المستهدفة وأن تُترجم مستهدفات الاستراتيجية الوطنية إلى مؤشرات أداء مؤسسية قابلة للقياس شهريًا.
تطوير منتجات رقمية وشبه رقمية تلائم احتياجات الفئات غير المخدومة، رُكنٌ آخر من أركان استراتيجية مؤسسية واضحة، إضافة إلى مواءمة خطط التحول الرقمي مع خطط الشمول المالي وتقارير أداء منتظمة للإدارة العليا تربط بين النشاط والأثر و النتائج المحققة و الفجوات.
بهذا النهج، يصبح دور البنك المركزي مكتملًا.
الإطار الوطني موجود، والقطاع المالي يحقق و ينفذ … والفجوة تضيق يومًا بعد يوم
يُمكن الإطلاع على النسخة الإنكليزية لهذا المقال، عبر الرابط التالي.