ماذا تخبرنا الاستراتيجيات الوطنية عن التمويل المسؤول
بقلم برايس فايبل، مستشارة، وإريك دوفلو، خبير أول في القطاع المالي، سيغاب
مدة القراءة: خمس دقائق

بدأت السلطات المعنية بالقطاع المالي في تطوير الاستراتيجيات الوطنية للشمول المالي في أوائل العقد الأول من الألفية الجديدة. واليوم، لا تزال هذه الاستراتيجيات أداة سياساتية رئيسية لتوسيع نطاق الشمول المالي من خلال التعاون بين الجهات العامة والخاصة.
غير أن الاستراتيجيات الوطنية للشمول المالي لا تقتصر على توسيع الوصول إلى الخدمات فحسب، بل توفر أيضًا نافذة لفهم كيفية تعامل الدول مع مفهوم التمويل المسؤول. فمن خلال تحليل الأولويات المختلفة لهذه الاستراتيجيات، مثل حماية المستهلك والتثقيف المالي ومخاطر التمويل الرقمي والصحة المالية، يمكن ملاحظة كيف بدأت استراتيجيات الشمول المالي تسهم في بناء نظم مالية أكثر أمانًا وعدالة ومسؤولية.
ولفهم ذلك بصورة أعمق، قامت مجموعة الاستشارات لمساعدة الفقراء بمراجعة تسعٍ وخمسين استراتيجية وطنية حديثة للشمول المالي. وأسفرت النتائج عن خمس خلاصات رئيسية توضح ما تكشفه هذه الاستراتيجيات عن التمويل المسؤول.
أولًا: تركيز شبه شامل على حماية المستهلك المالي
أظهرت المراجعة أن ثمانيًا وخمسين استراتيجية من أصل تسعٍ وخمسين تناولت حماية المستهلك، فيما صنفت ثلاثة وسبعون في المائة من الاستراتيجيات حماية المستهلك كركيزة أو هدف أساسي. فقد نصت الركيزة الأولى في استراتيجية النيجر على «دعم هيكلة الطلب، والتثقيف المالي، وحماية الأعضاء والعملاء لدى مقدمي الخدمات المالية». كما تضمنت إحدى ركائز استراتيجية المكسيك «تعزيز الثقة في النظام المالي الرسمي من خلال آليات حماية المستهلك». وتؤكد هذه البيانات نتائج تقرير صادر عام 2022، والذي أشار إلى أن ستة وتسعين في المائة من الاستراتيجيات الوطنية التي أطلقت خلال الفترة من 2018 إلى 2022 تضمنت حماية المستهلك كأحد مجالات السياسات الرئيسية.
ثانيًا: التثقيف المالي كعنصر محوري في معظم الاستراتيجيات
على غرار حماية المستهلك، برز التثقيف المالي، وما ينتج عنه من محو الأمية المالية، في ثمانية وتسعين في المائة من الاستراتيجيات التي تمت مراجعتها. وأكثر من نصف هذه الاستراتيجيات تناول التثقيف المالي ضمن أقسام حماية المستهلك. كما دمجت ثماني عشرة استراتيجية بشكل صريح بين التثقيف المالي وحماية المستهلك في أقسامها الأساسية أو أهدافها الاستراتيجية أو ركائزها. وقد أكدت استراتيجية باكستان الوطنية أن «الترابط بين الشمول المالي، ومحو الأمية المالية، وحماية المستهلك يلعب دورًا محوريًا في تعزيز الوصول إلى الخدمات المالية الجيدة واستخدامها».
ثالثًا: الإقرار الواسع بفرص الخدمات المالية الرقمية مع إيلاء محدود للمخاطر
أقرت سبعة وتسعون في المائة من الاستراتيجيات بقوة الخدمات المالية الرقمية في تسريع الشمول المالي، غير أن نسبة محدودة فقط تناولت المخاطر التي قد تترتب على استخدامها. ومن بين هذه المخاطر:
- الاحتيال:أشارت استراتيجية مالاوي إلى أن الخدمات المالية الرقمية، رغم كونها وسيلة مريحة وفعالة من حيث التكلفة، إلا أنها معرضة لمخاطر الاحتيال.
- نقص الشفافية:أوضحت ساموا أن توسع الخدمات المالية الرقمية يزيد من مخاطر الممارسات غير العادلة مثل غياب الشفافية وعدم الإفصاح عن الأسعار والشروط.
- إساءة استخدام البيانات:تناولت استراتيجية الهند ضرورة توفير ضمانات كافية لحماية حق الخصوصية عند تخزين ومشاركة البيانات البيومترية والديموغرافية للعملاء.
- انقطاع الشبكات:أكدت الفلبين أن تحقيق مكاسب إضافية في الخدمات المالية الرقمية يتطلب تحسين الاتصال بالإنترنت.
رابعًا: اهتمام محدود نسبيًا بالصحة المالية
بدأ مفهوم الصحة المالية، أو الرفاه المالي، يكتسب حضورًا متزايدًا في الاستراتيجيات الوطنية. فقد ذكرت أربع عشرة استراتيجية، أي ما يعادل أربعة وعشرين في المائة، هذا المفهوم صراحة، وضمنتها خمس دول في رؤيتها الاستراتيجية. ورغم وجود ارتباطات بين حماية المستهلك والصحة المالية، فإن استراتيجيتين فقط ربطتا بينهما بشكل مباشر. وأشارت الاستراتيجية الأمريكية، التي أُطلقت لأول مرة عام 2024، إلى أهمية حماية المستهلكين من المنتجات والخدمات التي قد تضر بصحتهم المالية. كما تناولت ست دول آليات قياس الصحة المالية، من بينها الأردن، حيث قام البنك المركزي بقياس الصحة المالية لثلاث سنوات عبر استبيان إلكتروني متخصص.
خامسًا: تعزيز التعاون بين أطراف المنظومة المالية
برز التعاون كموضوع متكرر في الاستراتيجيات، لا سيما في مرحلة التنفيذ. فقد تضمنت أكثر من نصف الاستراتيجيات هياكل للتنسيق أو التعاون، مثل المجالس الوطنية للشمول المالي أو اللجان التوجيهية أو فرق العمل. وسلطت غواتيمالا الضوء على مشاركة مئة وثلاث جهات عامة وخاصة في إعداد وتنفيذ استراتيجيتها. كما أنشأت كل من ساموا وجزر سليمان فرق عمل وطنية تضم قادة من القطاع الخاص، بمن فيهم رؤساء تنفيذيون لمقدمي الخدمات المالية.
كيف يمكن للاستراتيجيات الوطنية الجديدة دعم منظومات التمويل الرقمي المسؤول؟
إن تعزيز حماية المستهلك ضمن الاستراتيجيات الوطنية، من خلال التعاون مع الجهات المعنية، يضمن أن يحقق الشمول المالي أثرًا إيجابيًا حقيقيًا، وليس مجرد توسيع نطاق الوصول. ومع تحول التمويل الرقمي إلى واقع سائد، يتعين على السلطات الرقابية متابعة التجارب الفعلية للمستهلكين. ومن خلال تعميق المرحلة التشخيصية للاستراتيجيات الوطنية لرصد المخاطر ومعالجتها، يمكن استخلاص رؤى مهمة تشكل أساسًا لإجراءات فعالة وموجهة. كما توفر المسوحات الوطنية للمستهلكين مثل تلك التي نفذتها مؤسسة الابتكار لمكافحة الفقر وسيغاب، وسيلة موثوقة لجمع بيانات تمثيلية وقياس التقدم وصياغة خطط استجابة مناسبة.
ومع تزايد الاعتماد على بيانات المستهلكين والتقنيات الذكية في الخدمات المالية، ينضم مقدمو خدمات جدد إلى المنظومة بسرعة، ما يجعل إشراكهم في تصميم استراتيجيات حماية المستهلك أمرًا بالغ الأهمية. وينبغي أن تقيم الاستراتيجيات الوطنية جاهزية جميع الأطراف لضمان رحلات مالية آمنة للمستهلكين، واتخاذ ذلك أساسًا لخطط عمل قوية. وفي نهاية المطاف، فإن بناء منظومة مالية مسؤولة يعني قياس ما هو جوهري: هل تلبي الخدمات المالية احتياجات المستخدمين فعليًا وتسهم في تحسين حياتهم وصحتهم المالية؟ ومن خلال وضع نتائج المستهلكين في صميم الاستراتيجيات الوطنية، يمكن للشمول المالي أن يتجاوز مفهوم الوصول ليصبح أداة للتنمية الفردية والمجتمعية.
لقراءة النص باللغة الإنكليزية عبر موقع سيغاب، أنقر هنا.