فتح الحسابات الرقمية للشركات الصغيرة والمتوسطة في اليمن
يحيى صالح يحيى النجار خبير ومستشار في القطاع المصرفي وأنظمة المدفوعات والتحول الرقمي والتكنولوجيا المالية، بخبرة تتجاوز 15 عامًا.
شغل مناصب قيادية وتنفيذية متعددة تشمل تقنية المعلومات، الخزينة والاستثمار، الفروع، والإدارة الإقليمية. عمل مديرًا لأنظمة الصرافة وشبكات الحوالات ومستشارًا لدى بنوك ومؤسسات مالية.
يمتلك خبرة واسعة في أنظمة المصرفية الأساسية، أنظمة الدفع، المحافظ الرقمية، وتكامل الأنظمة. شارك في إعداد أوراق عمل متخصصة في التحصيل الإلكتروني، الفوترة الرقمية، والتسوية والمقاصة. ساهم في تطوير المصرفية الريفية والبنوك المجتمعية وتحول شركات الصرافة وشبكات الحوالات.
متخصص في بناء نماذج الأعمال المبتكرة وتصميم المنتجات المصرفية الرقمية منخفضة التكلفة. يمتلك خبرة متقدمة في تنفيذ أنظمة ERP، وإعادة هندسة العمليات المالية والإدارية.
له إسهامات بحثية ومهنية في أنظمة الدفع، الشمول المالي، والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. مؤسس «العقول الرقمية للاستشارات»، حاصل على بكالوريوس علوم الحاسوب، ومقيم في عدن – الجمهورية اليمنية.
تُمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر (MSMEs) العمود الفقري الحقيقي للاقتصاد اليمني وشريان حياته. وتؤكد البيانات الميدانية أن هذا القطاع يُشكل الغالبية العظمى من مؤسسات القطاع الخاص؛ حيث تشير مسوحات تقييم الأضرار إلى أن أكثر من 97% من الشركات في اليمن هي شركات متناهية الصغر (أقل من 3 موظفين) وصغيرة، وتوفر فرص عمل لما يقدر بـ 600,000 عامل.
وعلى الرغم من هذا الثقل الاقتصادي، يواجه هذا القطاع تحدي حقيقي في التعامل مع البنوك، تفاقم بسبب الصراع.

تحديات مصرفية تُعيق الشركات الصغيرة
تشير دراسة صادرة عن البنك الدولي حول الشمول المالي في البيئات الهشة إلى أن متجرًا صغيرًا في مدينة يمنية اضطر إلى إدارة كامل معاملاته نقدًا لعدم قدرته على فتح حساب تجاري نتيجة تعقيدات متطلبات “اعرف عميلك” (KYC) وغياب سجل تجاري محدث. ووفق الدراسة نفسها، أدى هذا الوضع إلى تعذر حصول المنشأة على تمويل قصير الأجل لتغطية رأس المال العامل، كما حال دون استخدام وسائل الدفع الإلكتروني لتحصيل المدفوعات من العملاء، ما انعكس مباشرة على تقييد النمو وارتفاع مخاطر التشغيل.
إنّ حواجز فتح الحسابات التجارية تأتي في مقدمة التحديات التي تواجهها اليوم الشركات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، حيث تضع بعض البنوك من جهة متطلبات امتثال صارمة مثل البطاقة الضريبية والزكوية والتامينية حتى لو كانت المؤسسة في السنه الأولى من النشاط والسجلات الدقيقة، التي يصعب على الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر توفيرها في بيئة غير منظمة. ومن جهة ثانية، يُعد الوصول إلى التمويل البنكي الملائم تحديًا أكبر، إذ تبين دراسات متعددة أن ضعف رأس المال وغالبًا عدم وجود ضمانات ائتمانية عقارية او ذهب او غيرها يحولان دون حصول الشركات الصغيرة والمتوسطة على القروض البنكية التقليدية.
كذلك، الإجراءات الورقية المعقدة وطول فترات مراجعة الحسابات والمعاملات والحاجة إلى التواجد الشخصي في الفروع في ظل ضعف البنية التحتية يجعل التعامل مع الخدمات المصرفية التقليدية عائقًا أمام النمو بدل أن يكون عامل تمكين.
أما على مستوى الخدمات الرقمية والمدفوعات الإلكترونية، تكشف الدراسات الحديثة أن ضعف البنية التحتية المالية والتكنولوجية، إلى جانب انتشار محدود لخدمات الدفع الإلكتروني، يعيق قدرة الشركات على الاستفادة من حلول رقمية فعالة لتحصيل المدفوعات أو تنفيذ المعاملات عبر الحدود، مما يبقيها خارج منظومة الاقتصاد الرقمي الرسمية.
فرصة اقتصادية بمليارات الريالات في اليمن
يمثل قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة في اليمن فرصة مصرفية حقيقية تقدر بمليارات الريالات اليمنية سنويًا، وذلك بالنظر إلى الحجم الفعلي لهذا القطاع ودوره في الاقتصاد، والفجوة الكبيرة بين الطلب على التمويل والخدمات المصرفية .
وفق تقارير صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول تنمية القطاع الخاص في اليمن، يسهم القطاع الخاص بنحو 60-70% من النشاط الاقتصادي ويوفر أكثر من 60% من فرص العمل، حيث تمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة الغالبية العظمى من منشآت هذا القطاع (UNDP – Private Sector Development Strategy for Yemen).
ومن جهة التمويل، تشير بيانات البنك الدولي إلى أن فجوة تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصادات الهشة والنامية قد تصل إلى 15-25% من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة ضعف الوصول إلى القروض والخدمات المالية الرسمية. وعند إسقاط هذه النسبة على الحالة اليمنية، فإن ذلك يعني وجود طلب تمويلي غير ملبى يقدر بمئات مليارات الريالات سنويًا، خاصة لتمويل رأس المال العامل والتوسع التشغيلي والأنشطة التجارية اليومية (World Bank – SME Finance & Financial Inclusion).
وتعزز هذه التقديرات نتائج دراسات التمويل الأصغر الصادرة عن مجموعة الاستشارات لمساعدة الفقراء، والتي تؤكد أن الغالبية العظمى من المشاريع الصغيرة في اليمن تعتمد على التمويل الذاتي أو القنوات غير الرسمية.
كما أنّ التجارة الإلكترونية في اليمن شهدت نمواً ملحوظاً رغم الصراع، مع زيادة في عدد المتاجر الإلكترونية على منصات التواصل الاجتماعي بنسبة تقدر بـ 45% سنوياً خلال الفترة 2020-2023، حسب دراسة CARPO 2024 بالإضافة الى دراساة قام بها مركز صنعاء للدراسات بعنوان "تعزيز فرص نمو التجارة الإلكترونية في اليمن" . حيث ان النمو في التجارة الإلكترونية ونظم التحويلات المالية الرقمية، مدفوعًا بزيادة مستخدمي الهاتف المحمول وارتفاع استخدام الإنترنت واعتماد المستهلكين والشركات الصغيرة على منصات الدفع الرقمي والمحافظ الإلكترونية. وتشير مؤشرات الرقمنة في اليمن إلى ارتفاع الطلب على الحلول الرقمية خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك نمو التعاملات عبر المنصات الإلكترونية والتطبيقات المالية، رغم التحديات البنيوية في البنية التحتية والخدمات التقليدية.
مستقبل البنوك اليمنية في قدرتها على فتح حسابات وخدمات رقمية
المنافسة لم تعد مجرد توقع مستقبلي، بل هي واقع حالي. شهدت السنوات الأخيرة دخول عدة لاعبين جدد إلى سوق الخدمات المالية المحلية ، بما في ذلك المحافظ إلكترونية المحلية ، كما بدأت بنوك التمويل الأصغر – تقدم خدمات مالية مثل الحوالات والمدفوعات الالكترونية و غيرها محققة نجاحاً ملحوظاً في جذب المودعين .
إضافة إلى ذلك، تشهد البيئة المالية الإقليمية حضور مزودين وبنى تحتية عابرة للحدود مثل شركات أنظمة الدفع الإقليمية من طراز MEPS (كنماذج أنظمة الدفع السريع بين البنوك)، إلى جانب منصات التداول والخدمات المالية الرقمية العابرة للحدود، التي باتت تستقطب شريحة من المستخدمين اليمنيين بشكل مباشر أو غير مباشر.
ويعني ذلك عمليًا أن المنافسة لم تعد محصورة داخل الإطار المصرفي المحلي، بل أصبحت منافسة على تجربة العميل الرقمية وسرعة النفاذ وسهولة الاستخدام. ويفرض التحول الرقمي اليوم على البنوك اليمنية — التقليدية والإسلامية وبنوك التمويل الاصغز — تحديًا استراتيجيًا كبيرًا: إما تحديث تجربة فتح الحسابات الرقمية لجذب هذا القطاع الواعد، أو خسارة حصتها لصالح المنافسين المحليين والدوليين الذين يقتحمون السوق عبر حلول إلكترونية سريعة ومرنة.
في الوقت نفسه، يتطلع أصحاب المشاريع — لا سيما الشباب ورواد الأعمال الناشئين — إلى حلول رقمية سريعة وموثوقة تمكنهم من إدارة حساباتهم التجارية دون عوائق.
وفقا لتقرير اليمن الرقمي 2026 بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في اليمن نحو 7.44 مليون شخص، ما يعادل تقريبًا 17.7% من إجمالي السكان بنهاية 2025، بينما تصل اتصالات الهواتف المحمولة إلى حوالي 23.9 مليون اتصال، وهو ما يشير إلى تغير سلوك المستهلكين والعملاء وانتشار واسع لأجهزة الاتصال الذكي حتى إذا لم يستخدم الإنترنت بعمق بعد.
حيث أن الهواتف الذكية تمثل المنصة الأساسية للوصول إلى الخدمات الرقمية والمعرفية، ما يرفع من قدرة روادالاعمال من إدارة معاملاتهم المصرفية والتحكم في مواردهم المالية والتفاعل مع العملاء بكفاءة أعلى. ومع أن معدل استخدام الإنترنت لا يزال محدودًا مقارنة بالدول المجاورة، فإن الزيادة المتواصلة في عدد الاتصالات المتنقلة والشباب في الفئة العمرية النشطة تشكلان قاعدة صلبة لنمو الطلب على الخدمات المصرفية الرقمية، التي تواكب أساليب العمل الحديثة وتقلص الفجوة بين الاحتياج التجاري والطريقة التقليدية في إدارة الحسابات والمعاملات المالية.
في هذا السياق، لا يُعد التحول الرقمي ترفًا أو خيارًا تطويريًا ، بل ضرورة تشغيلية واقتصادية تضمن للبنوك جذب شريحة واسعة ومتنامية من العملاء وتمكين الشركات من العمل بكفاءة في بيئة عالية المخاطر ومحدودة الموارد.
كيف يُترجم ذلك؟
إنّ تطوير تجربة فتح الحسابات الرقمية في البنوك اليمنية يعزز ودائعها، يرفع إيرادات الرسوم والخدمات، ويوسع قاعدة العملاء بسرعة حتى في ظل التحديات الاقتصادية. الحساب الرقمي لا يجلب العملاء وحسب، بل يحوّل تدفقات الأموال اليومية – من مبيعات، تحويلات، وخدمات تحصيل رقمية مثل QR ونقاط البيع وبوابات الدفع – إلى ودائع جارية منخفضة التكلفة تعزز ربحية البنك. كما يشكل الحساب بوابة لبيع خدمات مدفوعة تشمل إدارة الحساب، التحويلات، خدمات التحصيل الإلكترونية، والتقارير المالية المتقدمة، إضافة إلى تكاملات مع أنظمة محاسبية.
فتح الحساب الرقمي يقلل تكلفة اكتساب العملاء عبر التسجيل عن بعد (eKYC) والتفعيل السريع، ويتيح التوسع عبر قنوات رقمية ووكلاء. ومع دخول العميل، يمكن للبنك تحويله إلى عميل متعدد المنتجات (حساب، تحصيل، تحويلات، تمويل، ودائع). ربط الحساب بالتحصيل يوفر بيانات لحظية للإيرادات، ما يمكّن البنك من تقديم تمويل قصير الأجل مبني على التدفقات، حدود ائتمانية، وتمويل فواتير، ما يولّد عوائد أعلى من مجرد رسوم الحساب وحدها.
قدرات محورية لإنجاح فتح الحسابات الرقمية في اليمن
لكي يكون التحول نحو الحسابات الرقمية واقعيًا، يجب مواءمته مع البنية التحتية الحالية، القيود التنظيمية، ومستوى جاهزية البيانات الحكومية. أتمتة سير العمل والمستندات هي الركيزة الأساسية، ويُنصح بتنفيذها تدريجيًا وبحلول مرنة.
رغم تفاوت مستوى نضج البنوك اليمنية، يمكن البناء على الأنظمة الأساسية والمساندة عبر طبقات رقمية خفيفة دون استبدال كامل للأنظمة.
أتمتة سير العمل والمستندات:
التحقق الإلكتروني الهجين من الهوية (KYC/KYB) يجمع بين إدخال رقمي للبيانات، تحقق بشري مدعوم رقميًا، وربط جزئي بمصادر موثوقة متاحة.
التوقيعات الرقمية والسجلات الزمنية توفر موثوقية ومراجعة أفضل دون الحاجة لبنية تشريعية متقدمة.
إدارة الاستثناءات الذكية توجّه الحالات غير المكتملة أو عالية المخاطر إلى موظف مختص، ما يقلل الضغط ويحافظ على تجربة العميل.
العناية الواجبة التكيفية::
تنتقل البنوك من نموذج موحد إلى تكيفي قائم على المخاطر، يأخذ في الاعتبار نوع النشاط التجاري، حجم الشركة وهيكل الملكية، والموقع الجغرافي ومستوى المخاطر. هذا يسرّع فتح الحسابات للأنشطة منخفضة المخاطر ويضمن تدقيقًا متقدمًا للشركات الكبرى.
التحقق القائم على APIs:
يُعد التحقق عبر واجهات برمجة التطبيقات أداة رئيسية لتسريع فتح الحسابات، مع مراعاة جاهزية الأنظمة الحكومية والبنوك. النموذج المرحلي يشمل:
المدى القصير: التحقق الرقمي الداخلي المدعوم بالذكاء الاصطناعي والمصادر غير الحكومية.
المدى المتوسط: توحيد المعايير التقنية واستعداد للربط المؤسسي.
المدى الطويل: التكامل الكامل مع السجلات الحكومية.
إعادة تعريف دور الفروع:
الفرع يتحول من مركز معاملات إلى مركز قيمة يمكّن العميل رقميًا، ويصبح منصة استشارية ووصلة بين العميل والأنظمة الرقمية. هذا يتطلب:
تطوير مهارات الموظفين نحو الإرشاد والاستشارة الرقمية، مع تدريب على أدوات التحصيل، الحسابات الرقمية، ونقاط البيع.
تغيير الثقافة التنظيمية من "الحارس" إلى "المستشار الممكن"، مع ربط الحوافز بالمهارات الجديدة.
إعادة هندسة العمليات لتقليل الورقي وزيادة المناطق الاستشارية وربطها بلوحات متابعة رقمية.
تحديث مؤشرات الأداء لتشمل سرعة فتح الحساب، استخدام القنوات الرقمية، عدد المنتجات المفعلة، ومستوى رضا العملاء.
كلفة التأجيل
إن تأجيل هذا التحول لا يعني الحفاظ على الوضع القائم، بل يعني خسارة سوق ضخم تدريجيًا لصالح جهات أكثر خفة وسرعة قادرة على تلبية احتياجات العملاء بأدوات رقمية بسيطة ولكن فعالة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الخسارة من تآكل في الإيرادات إلى فقدان للعلاقة المصرفية نفسها.
ويمكننا القول إن رقمنة عملية فتح الحسابات للشركات الصغيرة والمتوسطة في اليمن ليست ترفًا تقنيًا ولا مشروعًا تجميليًا، بل هي حاجة استراتيجية لدعم بقاء القطاع المصرفي وتعزيز دوره في تمويل الاقتصاد الوطني وإعادة ربط البنوك بدورة النشاط التجاري الحقيقي.