من التبنّي الرقمي إلى التحول الحقيقي في التمويل الأصغر
مدة القراءة 4 دقائق.
على مدى عقود، شغلت مؤسسات التمويل الأصغر موقعًا مميزًا في مشهد التنمية، إذ وصلت إلى مجتمعات لا تستطيع البنوك التقليدية أو لا ترغب في خدمتها، وساهمت في بناء القدرات المالية للعملاء للمرة الأولى، وقدمت مسارًا نحو الاندماج في الاقتصاد الرسمي للعديد من الأفراد. ولا يزال هذا الدور بالغ الأهمية، إذ يقف قطاع التمويل الأصغر اليوم على أعتاب مرحلة جديدة.
يُمكن للتحول الرقمي الشامل عبر سلسلة القيمة المالية داخل المؤسسة أن يحقق قيمة تشغيلية وكفاءات تعزز من اتساع قاعدة العملاء، وتزيد من عمق وفاعلية المنتجات والخدمات التي تقدمها مؤسسات التمويل الأصغر.
ورغم ما حققه هذا القطاع من نجاحات، إلا أن أداءه كان متفاوتًا. وفي الوقت ذاته، شهد القطاع المالي، عبر الزمن، ظهور عدد من الفاعلين الرقميين الجدد وعروض الخدمات المبتكرة. ويشمل ذلك البنوك الرقمية التي تقدم خدمات حسابات للفئات منخفضة الدخل، إلى جانب شركات التكنولوجيا المالية التي توفر منصات دفع جديدة ونماذج مبتكرة لتقييم الجدارة الائتمانية، غالبًا ما تكون مدمجة في منصات التجارة الإلكترونية.
وهذا يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تستطيع مؤسسات التمويل الأصغر اغتنام فرصة التحول الرقمي لإعادة ابتكار نموذجها الذي ظل مستقرًا نسبيًا عبر الزمن؟ تشير التجارب الناشئة إلى أن ذلك ممكن بالفعل. فالتحول الرقمي الشامل عبر سلسلة القيمة المالية داخل المؤسسة يمكن أن يحقق قيمة تشغيلية وكفاءات تعزز من اتساع قاعدة العملاء، وتزيد من عمق وفاعلية المنتجات والخدمات التي تقدمها مؤسسات التمويل الأصغر. ومن خلال توسيع قاعدة الأدلة حول هذه الظواهر، يأمل المجموعة الإستشارية لمساعدة الفقراء (سيغاب) في تقديم رؤية لما يمكن أن تصل إليه مؤسسات التمويل الأصغر، وتحفيز الاستثمارات اللازمة لإحداث هذا التحول.
إن رقمنة التمويل الأصغر ليست فكرة جديدة، ولكن ما الذي يميز هذه الرؤية؟

بدايات التحول الرقمي في مؤسسات التمويل الأصغر
سعت المؤسسات الرائدة في مجال الرقمنة إلى إقامة شراكات مع مزودي الخدمات الرقمية، والاستفادة من شبكات توزيع شركات الاتصالات المتنقلة، وتجريب الإقراض المصغر المؤتمت. إلا أن هذه المبادرات كانت محدودة الانتشار، كما أن الإرشادات والدعم المتوفرين لم يكونا مخصصين لاحتياجات مؤسسات التمويل الأصغر، بل ركزت بشكل أساسي على رقمنة العمليات الورقية والاستفادة من منصات الدفع عبر الهاتف المحمول. ومن أبرز الرواد في هذا المجال مؤسسة موسوني في كينيا، التي أطلقت الإقراض الجماعي غير النقدي في وقت مبكر يعود إلى عام 2010. وقد تمكنت المؤسسة من ذلك من خلال الاستفادة من انتشار خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، وإضافة استخدام الأجهزة اللوحية من قبل موظفي الميدان لتسجيل العملاء وجمع بيانات طلبات القروض. وقد انخفض متوسط وقت صرف القروض من 72 ساعة إلى ست ساعات فقط، إلى جانب زيادة بنسبة 68% في عدد الحالات التي يتعامل معها موظف القروض، مما أدى إلى تحقيق وفورات كبيرة في التكاليف نتيجة الاستغناء عن نقل البيانات الورقي.
تسارع مبادرات الرقمنة في مؤسسات التمويل الأصغر
في أعقاب جائحة كوفيد-19، تسارعت وتيرة المبادرات الرقمية بشكل ملحوظ. وقد تمحور الأثر الإيجابي للرقمنة حول تطوير منتجات وخدمات إضافية ووسائل تقديم مبتكرة. وأسهمت رقمنة عمليات القروض والمدفوعات خلال الجائحة في خفض التكاليف وتعزيز استفادة العملاء على حد سواء. كما اتجهت بعض المؤسسات إلى اعتماد التجديد التلقائي للقروض بناءً على أنماط السداد السابقة، وتجريب نماذج جديدة لتقييم الجدارة الائتمانية باستخدام البيانات المتاحة داخليًا. فعلى سبيل المثال، طورت مؤسسة أنابورنا في الهند منتج "القرض الطارئ الفوري"، الذي يمكن للعملاء الحاليين التقديم عليه والحصول عليه خلال دقائق معدودة.
وعلى الرغم من إدراك العديد من المؤسسات، مثل أكسيون، بأن "الهدف من التحول الرقمي ليس الوصول إلى مستوى الشركات الرقمية بالكامل، بل تحقيق القدرة على التكيف وبناء ثقافة مستدامة من الابتكار والتعلم، بما يمكّن المؤسسات من الاستجابة السريعة للتغيرات والتحديات والفرص"، إلا أن مسار الرقمنة ظل مجزأً لعدة أسباب، من بينها:
- عدم جاهزية العملاء للتعامل الرقمي
- عدم ملاءمة أنظمة المعلومات الأساسية وأنظمة إدارة البيانات لدعم التحليلات المطلوبة للإقراض الرقمي
- نقص البيانات اللازمة لاتخاذ قرارات مستنيرة
- عدم قدرة المؤسسات الصغيرة على تبرير الاستثمارات الكبيرة المطلوبة للتحول الرقمي
كما لاحظت المجموعة الإستشارية لمساعدة الفقراء (سيغاب) عددًا من التحديات المتكررة لدى المؤسسات الساعية إلى الرقمنة، مثل التقليل من أهمية إدارة التغيير، وضعف القدرات اللازمة لتنفيذ التحولات التكنولوجية.
نحو مقاربات تحويلية للمستقبل
استنادًا إلى هذه التجارب المبكرة، ومع التطورات التكنولوجية المتسارعة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، تعمل اليوم العديد من مؤسسات التمويل الأصغر التقدمية على تطوير استراتيجيات رقمية أكثر شمولًا، مدعومة بمؤشرات أثر واضحة. كما تنخرط هذه المؤسسات في بناء شراكات جديدة مع جهات متخصصة ضمن سلسلة القيمة الرقمية، وتجذب استثمارات من مستثمرين متقدمين يركزون على التكنولوجيا. وتشمل القيمة التي يقدمها التحول الرقمي فرص الابتكار، وتعزيز قدرات تحليل البيانات لدعم اتخاذ القرار، وفهمًا أعمق لاحتياجات العملاء.
إن تحقيق تحول رقمي شامل ومستدام يتطلب مواءمة بين المستثمرين والحوكمة.
ويبقى السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت الرقمنة تحقق كفاءة لمؤسسات التمويل الأصغر، إذ إن القطاع يقر بذلك، بل ما إذا كان الوصول إلى مستويات أعلى من النضج الرقمي يمكن أن يحقق تحولات جوهرية، وليس مجرد تحسينات تدريجية، في هيكل التكاليف والوحدات الاقتصادية، بما يتيح توسيع نطاق الوصول، وتقديم منتجات أكثر ملاءمة، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للعملاء في الخطوط الأمامية، وبالتالي تحقيق أثر تنموي أكبر.
إن تحقيق تحول رقمي شامل ومستدام يتطلب مواءمة بين المستثمرين والحوكمة، وهو ما تسعى المجموعة الإستشارية لمساعدة الفقراء (سيغاب) إلى المساهمة فيه من خلال دراسة أبرز نماذج التحول الرقمي، وتقديم رؤية جديدة لما يمكن أن يحققه قطاع التمويل الأصغر.