وضع الشمول المالي في العالم العربي

مقال
تاريخ النشر: 
05/2016
المؤلف: 
ندين شحاده، الممثل الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
الناشر: 

عشرون عامًا من تعميم الخدمات المالية في المنطقة

هناك اعتقاد سائد أن العالم العربي متراجع في مجال تعميم الخدمات المالية. حيث تشير أرقام مؤشر تعميم الخدمات المالية العالمي 2014 إلى أن المنطقة، باستثناء دول الخليج، تسجل بالفعل أعلى نسبة من البالغين المستبعدين من الخدمات المالية، حيث إن 80% من السكان أو  ما يعادل حوالي 200 مليون نسمة ليس لديهم حساب مصرفي و95% من السكان غير قادرين على الحصول على قروض. ومع ذلك لم يكن هذا هو الحال دائما.

الإقراض الأصغر بدأ مبكرًا إلا أن النشاط لم يكتسب الطابع التجاري على الإطلاق

عندما بدأت المجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء (سيجاب) نشاطها عام 1995، كانت جميعة رجال أعمال الإسكندرية قد اكتسبت بالفعل خمس سنوات من الخبرة في صرف القروض الشخصية الصغيرة. وفي مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت هناك أكثر من 40 مؤسسة للتمويل الأصغر قد بدأت أنشطتها في مجال الإقراض بالمنطقة، حيث مارس كثير منها نشاطه بدعم من منظمات أمريكية، سواء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية نفسها أو منظمات دولية غير حكومية مثل مؤسسة إنقاذ الطفولة أو مؤسسة المجتمعات العالمية (المعروفة مسبقا بمؤسسة CHF). وقد احتل العديد من مؤسسات التمويل الأصغر المذكورة ترتيبًا عاليا ضمن المؤشر العالمي المركب لسوق ميكس لتبادل المعلومات لأفضل 100 مؤسسة ومؤشر فوربس لأفضل 50 مؤسسة تمويل أصغر. وبحلول عام 2010 وحسبما أفادت الأرقام الواردة إلى سوق ميكس، بلغ معدل النمو السنوي المركب عن فترة العشر سنوات 43% بالنسبة لعدد المقترضين، ليتفوق بذلك على المعدل الذي سجلته دول أمريكا اللاتينية والكاريبي والذي بلغ 34%.

ومن المثير للدهشة أن هذه الأنشطة لم تكتسب الطابع التجاري على الإطلاق رغم هذا النمو الكبير على عكس مناطق أخرى من العالم.  وتسجل المنطقة اليوم أقل من خمس عمليات تحول أو بالأحرى تحويل الأصول من منظمة غير حكومية إلى شركة، وتضم عددًا من أكبر مؤسسات التمويل الأصغر غير الحكومية في العالم بأصول تصل قيمتها إلى 300 مليون دولارا. وكان لغياب هيكل واضح للملكية  تأثيره الكبير على جهود التوسع وتنويع المنتجات، حيث سجل النمو ركودًا عامًا على مدار السنوات القليلة الماضية. وإن كان من السهل أن نعزو ذلك إلى الربيع العربي، لكن الواقع يؤكد أن هذا النمو قد توقف قبل ذلك. وتشير التقديرات الحالية إلى أن مؤسسات التمويل الأصغر في المنطقة ستصل إلى حوالي 3 ملايين مقترض بمحفظة مستحقة تتجاوز قيمتها ملياري دولار، فيما يمثل عددًا أقل كثيرا من الهدف الذي أعلنته من قبل وهو الوصول إلى 10 ملايين عميل بحلول عام 2010 .

المدخرات الصغرى: العقبات التنظيمية تعرقلها وشبكات البريد تمهد لها الطريق

لعل الاختلاف الأكبر بين مؤسسات التمويل الأصغر في المنطقة العربية ونظيراتها في باقي مناطق العالم يكمن في غياب اللوائح المواتية منذ فترة زمنية طويلة. ومن العوامل التي أسهمت في هذا الوضع  ضعف جهود المناصرة والتأييد المبذولة من داخل هذا القطاع بالإضافة إلى غياب دور القيادات داخل المؤسسات العامة.

ثمة عامل آخر يظهر في المنطقة وهو دور شبكات البريد التي تعد أكبر مزود لمنتجات الإدخار لمحدودي الدخل في العديد من دول المنطقة. تخدم شبكات البريد في المغرب وتونس ومصر نسبة تتراوح بين خُمس وثلث إجمالي السكان، أي من ستة إلى عشرين ضعف عدد عملاء التمويل الأصغر. وبفضل جهود التشجيع التي يبذلها اتحاد البريد العالمي واستنادًا إلى النموذج الناجح الذي قدمه البريد بنك  في المغرب من خلال فتح نصف مليون حساب في السنة، تبحث هذه الشبكات باستمرار عن طرق لتوسيع نطاق خدماتها المالية  وأحيانًا ما يكون ذلك بالشراكة مع مؤسسات التمويل الأصغر.

تضمنت مشاريع التمويل الأصغر الأولى، التي عززت أنشطة توليد الدخل لمحدودي الدخل، مكونات لنشاط الإدخار. غير أن هذه الجهود توقفت مع إنشاء مؤسسات التمويل الأصغر التي أخذ أغلبها شكل منظمات غير حكومية نظرًا لأن الوضع القانوني للمؤسسة المالية غير المصرفية لم يكن موجودًا إلا في لبنان. فكيف كان حال المنطقة يبدو اليوم لو كانت مؤسسات التمويل الأصغر، شأنها شأن بعض المؤسسات في مناطق أخرى، اشترطت ضمانًا نقديًا للحصول على قروضها ونجحت في تنمية رصيد كبير من الودائع بشكل تدريجي؟ لو حدث هذا، لربما لبَّت مؤسسات التمويل الأصغر أهم احتياجات عملائها، وهو تقديم بديل للحسابات البريدية، التي توجد نسبة كبيرة منها غير نشطة - الأمر الذي يقف على طرف النقيض تمامًا من الأوضاع المالية لمحدودي الدخل.

تمهيد الطريق لمستقبل أشمل من خلال الاهتمام المتزايد من قبل صناع القرار وتطور السياسات العامة والقوانين الملائمة 

غير أن المتخصصين في التمويل الأصغر يؤكدون أن عام 2010 شهد بداية حقبة جديدة تحمل مؤشرات تغيير طويل الأجل وإن كان شاقًا.

  • تطبيق لوائح جديدة . تشهد جميع دول المنطقة في الوقت الحالي تنفيذ تدابير سليمة لحماية مستهلكي المنتجات المالية. فمؤسسات التمويل الأصغر تنضوي تحت مظلة جهة رقابية مالية مثل البنك المركزي في كل من الأردن وفلسطين والمغرب، والهيئة العامة للرقابة المالية في مصر وهيئة رقابة التمويل الصغير في تونس. فقط سوريا واليمن هما اللذان يسمحان ببنوك التمويل الأصغر بالعمل على هذا النحو، ولكن في الاجتماع السنوي لاتحاد المصارف العربية لعام 2015 بعنوان خارطة طريق للشمول المالي، مهد المحافظ فريز الطريق أمام مستقبل مختلف حيث صرح أن البنك المركز ي الأردني يدرس بجدية السماح لمؤسسات التمويل الأصغر بجمع الودائع.
  • صياغة الاستراتيجيات الوطنية لتعميم الخدمات المالية. في عام 2012، كلف مجلس محافظي البنوك المركزية صندوق النقد العربي بدعم جهود تعميم الخدمات المالية على الصعيد الإقليمي من خلال فريق عمل مخصص لهذه المهمة. ومنذ ذلك الحين، قامت عدة دول إما بتدشين استراتيجية وطنية لتعميم الخدمات المالية أو تعهدت بتنفيذها (مثل فلسطين والأردن والمغرب بالإضافة إلى قطر).
  • الخدمات المالية الرقمية مهيأة للانطلاق. سُمح لشركات خدمات الدفع بممارسة عملها في كل من الأردن والمغرب على سبيل المثال وتُستخدم المحولات الرقمية القابلة للتشغيل المتبادل وذات الطراز العالمي مثل نظام الدفع بواسطة الهاتف المحمول في الأردن JoMoPay، كما يتزايد اهتمام شركات تشغيل شبكات الهاتف المحمول بمجال الخدمات المالية الرقمية. وتجري شركة فوري أكثر من 1.2 مليون معاملة يوميًا في مصر، وأصدرت الجمعية الدولية لمشغلي شبكات الهاتف المحمول GSMA مؤخرًا بيانًا بالفرص المتاحة والتحديات التي تواجه نشاط تحويل الأموال عبر الهاتف المحمول في المنطقة.
  • توسيع نطاق منتجات التأمين الأصغر المبتكرة. من بين الأمثلة الكثيرة، تجدر الإشارة إلى منتج الرعاية الطبية الذي تقدمه مؤسسة الأمانة حيث يغطي نشاطه حوالي 350  ألف مستفيد، بنسبة مدفوعات تتجاوز 70% من متوسط مدفوعات الضمان الاجتماعي.

وماذا عن اللاجئين والنازحين داخليا؟

من الصعب بطبيعة الحال أن نكتب عن العالم العربي دون أن نتطرق إلى التحدي الإنساني والإنمائي الضخم الذي يفرضه أكثر من 16مليون لاجئا ونازحا داخليا. فنحن بصفتنا متخصصين في تعميم الخدمات المالية في المنطقة نتساءل كثيرًا عن دور الخدمات المالية في مثل هذه الظروف وكيف يمكن تقديم هذه الخدمات فيما بين الدول مع المراعاة الكاملة لقواعد مكافحة غسل الأموال ومحاربة تمويل الإرهاب. ولماذا لا يمكن للبنوك والمؤسسات المالية بالمنطقة التفكير في خدمة اللاجئين كما يُطلب من البنوك الألمانية أن تفعل؟ وهل يمكن للمدفوعات الرقمية أن تيسر نقل وتحويل الأموال، باعتبارها مساهمًا رئيسيًا في الناتج المحلي الإجمالي لدول المنطقة، ولعلها تسهم في المرونة المالية للاجئين والدول المضيفة على حد سواء؟  ومن المؤكد أن المجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء (سيجاب) وشركاءها الإقليميين يأملون في تجاوز مرحلة التساؤلات وتسليط الضوء على هذا الموضوع في السنوات المقبلة!

المقال الرئيسي (بالإنجليزية)

النوع: 
مقال